الشنقيطي
477
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ذهب معه بخرقة تنظيف أكثر من الأحجار ، أو بطن أو صوف أو خز ونحو ذلك جاز . وليس للشارع غرض في غير التنظيف والإزالة ، فما كان أبلغ في ذلك كان مثل الأحجار في الجواز أو أولى . ومن ذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه أو يخطب على خطبته » « 1 » . معلوم أن المفسدة التي نهى عنها في البيع والخطبة موجودة في الإجارة ؛ فلا يحل له أن يؤجر على إجارته . وإن قدر دخول الإجارة في لفظ البيع العام وهو بيع المنافع فحقيقتها غير حقيقة البيع ، وأحكامها غير أحكامه . ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى في آية التيمم : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [ المائدة : 6 ] فألحقت الأمة أنواع الحدث الأصغر على اختلافها في نقضها بالغائط . والآية لم تنص من أنواع الحدث الأصغر إلا عليه وعلى اللمس ، على قول من فسره بما دون الجماع . وألحقت الاحتلام بملامسة النساء ، وألحقت واجد ثمن الماء بواجده . وألحقت من خاف على نفسه أو بهائمه من العطش إذا توضأ بعادم الماء ؛ فجوزت له التيمم وهو واجد للماء . وألحقت من خشي المرض من شدة برد الماء بالمريض في العدول عنه إلى البدل . وإدخال هذه الأحكام وأمثالها في العمومات المعنوية التي لا يستريب من له فهم عن اللّه ورسوله في قصد عمومها وتعليق الحكم به ، وكونه متعلقا بمصلحة العبد أولى من إدخالها في عمومات لفظية بعيدة التناول لها ليست بحرية الفهم مما لا ينكر تناول العموميين لها . فمن الناس من يتنبه لهذا ، ومنهم من يتفطن لتناول العموميين لها . ومن ذلك قوله تعالى : * وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ [ البقرة : 283 ] قاست الأمة الرهن في الحضر على الرهن في السفر مع وجود الكاتب على الرهن مع عدمه . فإن استدل على ذلك بأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم رهن درعه في الحضر فلا عموم في ذلك ؛ فإنما رهنها على شعير استقرضه من يهودي فلا بد من القياس : إما على الآية ، وإما على السنة . ومن ذلك أن سمرة بن جندب لما باع خمر أهل الذمة وأخذ ثمنها في العشور التي عليهم . فبلغ ذلك عمر قال : قاتل اللّه سمرة ؟ أما علم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لعن اللّه اليهود حرّمت عليهم الشّحوم فجعلوها وباعوها وأكلوا أثمانها » « 2 » وهذا محض القياس من عمر رضي اللّه عنه ؛ فإن تحريم الشحوم على اليهود كتحريم الخمر على المسلمين . وكما يحرم ثمن الشحوم المحرمة فكذلك يحرم ثمن الخمر الحرام .
--> - الاستطابة بالحجارة دون غيرها ، وأحمد في المسند 6 / 133 . ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في البيوع حديث 2140 ، ومسلم في النكاح حديث 51 . ( 2 ) أخرجه عن ابن عباس : البخاري في البيوع حديث 2223 ، ومسلم في المساقاة حديث 72 .